بيــــروت التـــــراث

مجلة صبوثان عدد 10 

التسمية

ورد ذكرها في رسائل تل العمارنة Be-ru-ta، ويرجّح ان يكون المعنى “صنوبرة” ܒܪܘܬܐ.

وبيروت من المدن القديمة على الساحل الكنعاني، وكانت رقعة تضيق وتتسع باختلاف الدول التي مرت عليها. والمرجح ان الجبيليين هم الذين بنوا مدينة بيروت، التي يعود تاريخ بناء سورها الى العهود الكنعانية. ويذكر صالح بن يحي “أن بيروت مدينة قديمة جداً ويستدل على قدمها بعتق سورها”. وقد ارتبطت بيروت منذ القدم بعلاقات مختلفة مع الدويلات الكنعانية، الممتدة على الساحل الشرقي للمتوسط، ومع دول المنطقة المجاورة والبعيدة. وعثر فيها على تمثال يحمل اسم الفرعون، ويعتبر اول اثر ورد فيه اسم بيروت. وقد طمع الفراعنة في عهد الاسرة الثامنة عشرة في مدينة بيروت، فسيطروا عليها خاصة في عهد تحوتمس الثالث. وجاء ذكر اسم مدينة بيروت تحت اسم Beruta في رسائل تل العمارنة، التي كتبت بالخط المسماري حيث تصف بيروت بالبلدة المنيعة، وتذكر سفنها الحربية والتجارية على السواء. لكن بيروت لم تزدهر مثل صيدون وجبيل وارواد وعمريت، واوغاريت. لذلك فان اخبارها قليلة في هذه العصور.

وفي العصر اليوناني، دخلت بيروت تحت حكم الاسكندر سنة 332 ق.م.، وبعده تحت حكم السلوقيين خلفائه. وسمح اليونان لاهالي بيروت باقامة شعائرهم الدينية، ثم مزجوا بين الآلهة اليونانية والفينيقية، وكسوها مسحة يونانية.

سنة 140 ق.م.، تعرضت بيروت للحريق والتخريب. فدمرت ابنيتها، واحرقت بساتينها نتيجة حرب بين الالكسندر بالا، الذي ادعى الملك لنفسه، وبين مليكها الشرعي ديمتريوس الثاني، لكن اهلها عادوا وجددوا بناءها، واقاموها من جديد.

ونتيجة لاحتلال الرومان لبلادنا سنة 64 ق.م.، في عهد بومبيوس، خضعت بيروت كسائر المدن في بلاد الشام آنذاك، لهذا الحكم.

 

بيروت مستعمرة رومانية

لقد اتخذ الرومان من بيروت مستعمرة رومانية، ففي سنة 16 ق.م.، قدم سوريا اغريبا صهر اوغسطس قيصر، واصبح حاكماً عاماً على البلاد، فكان اول ما صرف اليه نظره هو أن يقيم مستعمرة، يحل فيها الجنود المتقاعدين ممن امتازوا في خدمة الوطن. فلم يجد موقعاً اصلح شأناً، وانسب مقاماً، من بيروت، فجعلها سكناً لفئتين من الجند هما: الخامسة والثامنة المعروفتين بالفئة المكدونية والاوغسطية. ومما لا شك فيه، ان اغريبا اعاد بيروت زهائها القديم بعد ان عبثت بها ايدي الزمان، واهمال الطاغية تريفون. فاوعز الى جنوده بأن يشيدوا فيها المباني الحسنة ويوفروا اسباب الهناء.

وكانت بيروت المدينة الوحيدة من المدن الساحلية التي لعبت دوراً هاماً في نشاط غير النشاط التجاري والاقتصادي. فقد كانت لها مقام ثقافي مرموق في جميع انحاء الامبراطورية الرومانية والعالم القديم آنذاك. فهي من اقدم المستعمرات الرومانية في بلاد الشام. وقد منحها اوغسطس قيصر اللقب الفخري “كولونيا جوليا اوغسطا السعيدة بيروت Colomia Julia Augusta Berytus” وذلك، تكريماً لابنته جوليا. وقد ورد اسمها ايضاً على النقود “مستعمرة جوليا اوغسطا السعيدة بيروت”.

وما عتمت بيروت ان صارت مركزاً خطيراً لادارة شؤون روما البحر المتوسط الذي كان غلب عليه سابقاً النفوذ اليوناني، واصبحت مرقباً يرصدون منه كل من يعادي فتوحاتهم الجديدة. وضربت فيها نقود المستعمرات التي تمثل جندياً يفلح الارض.

ولم يمض على بيروت زمن قليل حتى امتزج سكانها الاقدمون بالمستعمرين الرومان امتزاجاً فعالاً. فكان من يحتل بيروت يحسبها مدينة رومانية لتغلب الرومان ولسانهم واسمائهم عليها. والشاهد على ذلك الكتابات اللاتينية العديدة المكتشفة فيها. ولا ترى من المخطوطات اليونانية لا اليسير، بل ظهر فيها ايضاً نفوذ آلهة روما. فأخذ الفينيقيون شيئاً من شعائرهم. ولم تكن الاقطاعات الموقوفة على المستعمرة بيروت منحصرة في ضواحي المدينة والبسائط المجاورة، بل كانت تشمل الجبال المشرفة على المدينة، ومن ثم، تمتد الى ان تبلغ قسماً من البقاع الى جهات منبع العاصي.

ونالت بيروت، بارتقائها الى رتبة مستعمرة رومانية، امتيازات عديدة، منها ان اهلها لم يدفعوا الجزية، ومنها استقلالها عن حاكم الولاية، وكان اهلها يختارون ولاتهم وحكامهم دون تدخل العاصمة الرومانية في شؤونهم، فاضحت كأنها دولة صغيرة ضمن الاملاك الرومانية في الشرق تتصرف باحكامها العاصمة نفسها. وكان لها على مثال روما حاكمان يحلان ويربطان ويأمران وينهيان كقناصلة روما. ولها دار ندوة يجلس فيها للبحث في مصالح المدينة مئة من رؤساء العشائر.

ومما ازدانت به بيروت، ساحة كبرى لاجتماع الجمهور، ملعب للملاهي العمومية، واروقة مظللة للتنزه. وكان الرومان يقصدون بيروت للترويح عن النفس. ويؤثرونها على سواها من مدن الساحل لقضاء فصل الصيف في مشارف الجبل القريب منها.

وكان الولاة اليهود يشيدون ابنية عامة فخمة لاسيادهم الرومان فيها.

 

آلهة المدينة

كان شفيع بيروت وإلهها المفضّل بوسيدون (إله البحر) كما عبد البيروتيون اله بعلبك جوبيتير.

 

مدينة الشرائع

اشتهرت بيروت بكونها مركزاً ثقافياً. فقد كان فيها أشهر معهد روماني للقانون خارج ايطاليا، وكانت المدينة الوحيدة من بين المدن البيزنطية التي نافست انطاكيا في الزعامة الفكرية. وكانت قبلة أنظار طلاب القانون من جميع انحاء الشرق. وقد نشأت مدرسة الحقوق هذه في آواخر القرن الثاني للميلاد، وازدهرت حتى منتصف القرن السادس. وكان معهد الحقوق هذا اقدم معهد من نوعه في المقاطعات الرومانية واشهرها، وقد احتل الصدارة بين معاهد اثينا والاسكندرية وقيصرية والقسطنطينية واخذ المشترعون الرومان يدرسون في بيروت بعد ان تحولت مدرسة الحقوق الى مركز فكري خلاق.

وقد تركت لنا مدرسة بيروت ارثاً تشريعياً أثمن من أي إرث آخر خلفة لنا المشترعون الرومان، فوضعت مجموعة الشرائع المعروفة بشرائع يوستينيان الكبير (595 مادة وبنداً من المواد القانونية) والتي تعتبر الاساس الذي يقوم عليه اغلب الشرائع الاوروبية في عهدنا هذا.

كذلك كانت تعتبر هذه المدرسة مركزاً للدراسات اللاهوتية المسيحية، وأشهر القديسين الذين درسوا فيها كان مار سيويريوس بطريرك انطاكيا السرياني (512-518).

 

الهزات الارضية

حصلت  ما بين (551-555) سلسلة من الهزات الارضية في بيروت التي كانت قد تعرضت سابقاً الى هزة سنة 349م.، وتهدمت هذه المرة أهم أبنيتها ولم يبقى منها بناء واحد. فاضطرت الدولة الى نقل مدرسة الحقوق الى صيدا. وفي سنة 560م. نشبت النيران في بيروت وبعدها لم يعد يسمع شيئاً عن الجامعة.

 

تعاقب الاحتلالات

في مطلع الثلاثينات من القرن السابع احتلها العرب. لكن سنة 643م. استرد البيزنطيون مدينة بيروت، ثم عادت سنة 667م. الى العرب فحولوها الى مركز للاسطول البحري العربي، وجلبوا الكثير من السكان والقبائل واسكنوهم فيها، واصبحت احدى مرابط جند دمشق. وكان اهلها انذاك يتكلمون الآرامية واليونانية فقط، فلما دخل العرب اليها اخذوا يتعلمون تدريجياً اللغة العربية.

وعندما ظفر معاوية بالخلافة اجرى حركة تبديل في المدن الساحلية ومنها مدينة بيروت للقضاء على الشعور القومي عند السكان الموالين للبيزنطيين فأسكن فيها قبائل عربية وقوماً من الفرس.

وفي العهد العباسي وخاصةً في عهد المنصور تم أرسال بعض القبائل العربية لاسكانها في بيروت وضواحيها وخاصةً عشائر بني تنوخ.

نبغ في بيروت بعض من أهل العلم والادب وكان اعظمهم على الاطلاق الامام الاوزاعي البعلبكي. ومقام الاوزاعي لا يزال قائماً حتى يومنا هذا في ضاحية بيروت الجنوبية على الرمال المعروفة بإسمه. ويرجع الفضل في بقاء هذا الجامع الى المسيحيين الذين اقنعوا الصليببيين بعدم هدمه.

وفي عهد الدولة الفاطيمية دخلت بيروت في عهدة الفاطيميين. وبقيت بيروت خلال القرنين العاشر والحادي عشر تابعة لجند دمشق. وسنة 1110 ميلادي سقطت بيروت بيد الصليبيين وحولوها الى بارونية وبنوا فيها كنيسة بإسم القديس يوحنا المعمدان. ولكنها عادت الى حوزة العرب عام 1187م. ثم عادت مرة اخرى الى الصليبيين عام 1197م.، ودخلت بعدها في امرة المماليك سنة1291م. فعامل الامير المملوكي سنقر الشجاعي سكانها معاملة سيئة وقضى على قسم منهم وارسل قسماً آخر الى مصر وقبرص.  في سنة 1516 م. دخلت بيروت في عهدة الدولة العثمانية واتبعت بولاية دمشق.

وسنة 1592 دخلت بيروت ضمن إمارة فخر الدين المعني الثاني وقد جعلها سنة 1632 م. العاصمة الثانية لملكه وساهم الخبراء الايطاليون في تحصينها وتجميلها، فبنيت فيها الفنادق وانشئت الحدائق وكل ذلك على الطراز الايطالي، وبنى فخر الدين في ساحة البرج (اليوم) قصراً له. وبعد مقتل الامير سلخت عن ولاية دمشق واتبعت بولاية صيدا.

دخلت بيروت فعلياً في حوزة الامراء الشهابيين سنة 1749. واثناء حملة ابراهيم باشا على بلادنا خضعت بيروت للمصريين سنة 1831.

انسحب الاسطول المصري من بيروت تحت ضغط الاسطول البريطاني عام 1840. ونتيجة للحروب الاهلية التي اندلعت في لبنان بين سنتي 1840 و1860 تحولت بيروت الى ملجأ للعائلات المضطهدة وخاصة المسيحيين منها. كما تحولت فيما بعد الى مركزٍ دولي لحل ازمة لبنان إذ شهدت اجتماع ممثلي الدول الكبرى انكلترا، روسيا، النمسا، وبروسيا بالاضافة الى مندوب الدولة العثمانية. وقد نجم عن هذا الاجتماع استقلال جبل لبنان ذاتياً وادارياً وتحويله الى متصرفية وربطه مباشرةً بالاستانة. وسنة 1888 تحولت الى مركز ولاية. وبنهاية الحرب العالمية الاولى وانهزام الدولة العثمانية اصبحت بيروت عاصمة المنطقة الغربية بما فيها جبل لبنان وبلاد العلويين، وخضعت للانتداب الفرنسي ايام المفوض السامي فرنسوا بيكو. وفي 31 آب سنة 1920 تمت ولادة دولة لبنان الكبير وعاصمته بيروت ومركز المفوضية السامية في سوريا ولبنان وبعدها بقيت بيروت عاصمة لبنان حتى يومنا هذا.

 

من كتاب بيروت التراث

نسيمة الخطيب