كفرشليمان- البترون

من يدخل كفرشليمان في قضاء البترون، يتذكر القول المأثور ان “أفضل العطور تأتي في أصغر الزجاجات”.
فهذه القرية الوادعة التي تعد نموذجا للسياحة الدينية والأثرية، من أصغر قرى القضاء مساحة وسكانا ومنازل، إلا أن الله حباها منابع روحية وإنسانية وحضارية على امتداد مساحة الوطن، فازدانت برسوم وجدرانيات، وتوشت صخورها الصماء بنقوش أخاذة حتى باتت ملاذا للتأمل والخشوع، واستحقت القرية بذلك إدراجها في لائحة السياحة العالمية لإبراز معالمها روحيا وحضاريا.

تتوزع بيوت كفرشليمان على منعطفات هضبة جميلة مغطاة بأشجار معمرة من السنديان والزيتون، وتكشف عن وجود مملكة منقوشة في صخورها. ومن بقاياها معبد فينيقي في وسطها تحول الى كنيسة على اسم صيدنايا، مع انتشار المسيحية في القرن الخامس ميلادي. وتحتضن في داخلها كتابات يونانية ورسوما وجدرانيات ترجع الى القرن الثاني عشر. وتتزين قلعتها بدرج بعضه ظاهر للعيان، ناهيك بغرف جنائزية، ومعاصر ونواويس ومباخر وبئر تسمى “بئر الرأس”، تعود الى الوثنيين ويقصدها المؤمنون، فضلا عن كنيسة مجاورة للمعبد على اسم مار يوحنا شفيع البلدة. ويذكر أن الكنيسة بنيت على انقاض دير مار سركيس وباخوس اللذين ذاعت عبادتهما في بلادنا في القرن الرابع والخامس ميلادي، وقد بنيا على انقاض قسم من المملكة، وفي جوارهما المعبد الأثري.

والقرية البترونية تستعد للكشف عن تاريخها الأثري العريق الذي يجعلها قبلة السياحة ليس الدينية فقط انما الاثرية والبيئية في آن معا، وبخاصة بعد ترميم بعض الجدرانيات في المعبد حيث الكنيسة المذكورة، وقد أمها المؤمنون مع انتشار المسيحية في جبة بشري والبترون وجبيل في القرن الخامس الميلادي، فيما سكن عدد من النساك والرهبان المعبد من القرن الثامن الى القرن الحادي عشر، وهي اليوم مقصد للسياح والمؤمنين.

 

الموقع والتسمية

تقع كفرشليمان وسط البترون، وتعلو 700 متر عن سطح البحر. يحدها شرقا حلتا، وشمالا راشكده، وجنوبا أسيا وزان، وغربا صورات. مساحة ارضها 100 هكتار، وتبعد عن طرابلس مركز المحافظة 46 كيلومترا وعن العاصمة بيروت 68 كيلومترا.
أما تسميتها تعني بالسريانية قرية سليمان الملك او الحاكم المسالم والهادىء الذي قصدها للاقامة في ربوعها وابتنى له مملكة فيها، فعرفت على اسمه . وكفرشليمان اسم سرياني مركب من جزئين، كفر أي الحقل، وشليمان او سليمان، اي حقل سليمان.

علماً أن عدد سكان القرية 100 نسمة ومنازلها عشرون فقط.

 

آثارها

تأخذك الرهبة وأنت في كفرشليمان القرية والقلعة، وبخاصة معبدها الذي هو على اسم صيدنايا.  وفي وقائع المعبد او المحبسة أنه كان سابقا مدفنا، وهو بمثابة غرفة صغيرة منحوتة  في الصخر متسطيلة الشكل. سقفها وجدرانها مرسومة، إلا أنها مغطاة بطبقة من الشحتار الاسود ناتج من حريق البخور او التعرض للحريق كما يروى في اواسط القرن العشرين. أما مدخله لجهة اليمين فعليه كتابات يونانية تعني باختصار “يسوع المسيح المنتصر”.

 

الجدرانيات والترميم

تكشفت الجدرانيات عن أعمال ترميم مرتقبة على الشكل الآتي:

  • في السقف رسم للسيد المسيح على العرش وحوله الانجيليون الاربعة: متى، لوقا، يوحنا، ومرقس، وظهر منهم بعد الترميم متى ومرقس، إضافة الى وجه ساروفيم.
  • على الحائط الشرقي مشهد التضرع، وبدا السيد المسيح متوسطا السيدة العذراء ويوحنا المعمدان، لكن لم يبق ظاهرا سوى وجه المسيح. وفي الاسفل جدراية لوجهي قديسين بقيت منهما هالة النور، وقد تكون لأحد الشمامسة.
  • على الحائط الشمالي جدارية العذراء المرضعة، ولم يبق منها سوى وجه المسيح الطفل الذي يرضع.
  • الى يمين المدخل رسم يمثل أحد الاشخاص يسدد السهم غربا، ويعتقد انه يجسد الشر لانه غير ظاهر بسبب التلف. وقد تكون رؤية القديس اسطاطيوس على ما يذكره ليفون نورديغيان في أحد مقالاته.
  • على الحائط الغربي مشهد محارب على الحصان يعتقد أنه القديس مار جرجس أو مار بروكوبيوس.

 

وتعد كنيسة صيدنايا الاثرية من أولى الكنائس التي ترمم جدرانياتها، وهي من أصل 20 كنيسة أثرية في لبنان. ويذكر أن المسيحيين في لبنان كانوا يصورون على الحيطان، لهدفٍ تعليمي.

 

يحتفل بعيد مولد العذراء سنويا في 8 أيلول. ويعد هذا التقليد الكنسي القديم من أقدم الاعياد المخصصة لمريم العذراء، ويعود الى القرن السادس. وتتفرد القرية بأقدمية هذه المناسبة بترونيا. ويذكرنا عيد مولد العذراء، بما قاله قداسة البابا بولس السادس هي أم الكنيسة، أي أم شعب الله بأجمعه، مؤمنين ورعاة، وقد رمز اليها الانبياء في نبوءاتهم، فإذا هي حواء الجديدة التي اعادت الى الانسان ما أفقدته اياه حواء القديمة من براءة.

 

والجدرانيات قبل الترميم تمثل أربعا:

 

  1. الشفاعة: يبدو المسيح جالسا على العرش، يبارك بيمينه ويحمل الكتاب المقدس بيساره، وتحيط به هالة مرقعة بالحجارة الكريمة كالملوك. وعن يمينه العذراء مريم وعن يساره يوحنا المعمدان خاتمة الانبياء.

 

  1. الضابط الكل: جدرانيات في سقف المعبد، تمثل يسوع جالسا على العرش ويحيط به من كل جهة الشمس والقمر، وتحمل جدرانية الشفاعة والضابط الكل أثر الفن البيزنطي والسرياني.

 

  1. جدرانيات العذراء المرضعة: تحمل خطوطا سريانية، تجسد الطفل يسوع على ركبتي مريم، يغتذي من ثدييها. وقد فقدت هذه الجدرانية القسم الاعلى منها حيث الرأس، ووشاح العذراء مريم محاط من أعلى الى أسفل بقطعة قماش واحدة تدعى ما غوريون.

 

  1. جدرانية رجل تمثل الانتصار على الموت، مجسدا بحيوان بري يتوسطه الصليب مع الكتابات اليونانية عند المدخل لجهة اليمين.

 

آثار المملكة

أما المملكة التي من بقاياها أساسات وجدران منحوتة في الصخر، فتشكل امتدادا في النقش المتقن في صخورها من مرتفعات كفرشليمان نزولا الى راشكده القرية المجاورة. ويحكى عن درج منحوت في الصخر يمتد في وسط المملكة الى جانب المعبد من أعلى القرية في اتجاه راشكده، ما زالت بعض آثاره قائمة والباقي مطمور. ويرى العلماء أن هذه المملكة، إذا تم التنقيب عنها وكشفها، فسيكون لها دور تاريخي وحضاري اضافة الى دورها السياحي.

 

بئر الرأس

وفي أرجاء المملكة غرف جنائزية ونواويس ومعاصر وأجران و”بئر الرأس”، التي يؤمها المؤمنون وفق تقليد، فالولد الذي لا يعيش على رأسه اشقاء او شقيقات بعد ولادتهم، يخطو فوق البئر لتنجو الولادات من الموت، ويردد وهو يخطو: “يا بير يا بير الراس، يحلف على المقدام والراس ما باكل منهم تا يصير خي يدبح الكراز”.

هذه هي كفرشليمان التي تحولت الى مقصد للسياح والمؤمنين والبحاثة، بما ترتكز عليه من مقومات السياحة الدينية والاثرية والبيئية. ويأمل أبناؤها بمستقبل سياحي مع ترميم الجدرانيات، ويطالبون بالكشف عن معالم قريتهم وابرازها. كما تشهد بيوتها وحاراتها القديمة الأثرية ورشة ترميم أعادت إلى طابعها الأثري عراقة الماضي.

فالجدرانيات جميعها بيزنطية، والرسم سرياني شرقي يعود الى القرن الثالث عشر، مما يدل على أن مسيحيي جبل لبنان نعموا بشيء من الازدهار مما سمح لهم ببناء الكنائس وتزيينها.

نقلاً عن الوكالة الوطنية للأنباء